الثلاثاء، 10 مايو 2016

فهرس الموضوعات

لكتاب: قضاء بئر السبع (الإنسان .. الزمان والمكان)











الثلاثاء، 26 أبريل 2016



قراءة في كتاب... بقلم / عصام عبد الفتاح الشافعي
موسوعة التراث الشعبي البدوي
قضاء بئر السبع (1800م ـــ 1948م) 
"الإنسان ... الزمان و المكان"
للباحث أ . عرفان حمد أبو هويشل
عندما يعشق الإنسان وطنه الملتهب بما فيه من حجر وشجر وبشر ويتداخل معه في كل جزئية من أجزاءه لدرجة يوشك بها أن يكون متحداً معه تماماً حينها من الصعب أن تفرق بين هذا الإنسان وبين الزمان أو المكان لذا يمكن لك أن تقرأ في هذا الإنسان جغرافية الوطن بسهولها وهضابها وأحوال الطقس بها وشدة الرياح وكذلك يمكن لك أن ترى الأسلاف بماضيهم ما لهم وما عليهم والأحياء بحاضرهم الراهن والأطفال بمستقبلهم الواعد وتشم فيه معارك الوطن بالنصر أو بالهزيمة لذا لا تتفاجأ إذا ناديت الوطن مرة أن يلتفت إليك هذا الإنسان وهذا ما يقترب منه بقوة الأستاذ الباحث عرفان أبو هويشل من خلال كتابه الجديد "قضاء بئر السبع .. الإنسان ..الزمان والمكان" وقد جاء هذا الكتاب ضمن مجموعة أسماها الباحث "موسوعة التراث الشعبي البدوي" ويحتوي هذا الكتاب على أربعة أبواب في 200 صفحة تقريباً, مقسماً الأبواب إلى فصول قد تصل أحيانا إلى تسعة فصول .. وقد أفتتح الباحث أبوهويشل كتابه بالإهداء والشكر والمقدمة والتمهيد ثم انتقل من خلال بابه الأول إلى جغرافية بئر السبع وحدودها وأراضيها بما في ذلك الجبال والأودية والطرق ومعرجاً على المناخ والأشجار والأعشاب والمراعي والحيوانات والطيور وحتى الحشرات وموارد الري فيها ثم انتقل الباحث أ. عرفان الى الباب الثاني والنظام الإداري في فترة الحكم العثماني والانتداب البريطاني وانتقل بعد ذلك للحديث عن سكان النقب والقبائل فيها موفراً مادة قيمة للقارئ للتعرف على القبائل عن قرب بتقاليدهم وعاداتهم ومميزات كل قبيلة على حدة ومناطق نفوذها وطقوسها في كل المناسبات تقريبا ثم انتقل الباحث أبو هويشل للباب الثالث متحدثا عن الأحوال المعيشية لبدو النقب واصفاً بيوتهم وأزيائهم وملابسهم وطعامهم وشرابهم ثم عن التعليم عندهم والثقافة الخاصة بهم وأهم ما تميزوا به عن غيرهم والأنشطة الزراعية وصناعاتهم وتجارتهم ولم يغفل عن ذكر العملات التي تداولوها والمكاييل المستعملة عندهم والحيوانات والطيور التي اعتمدوا عليها في طعامهم وشرابهم وأختتم الأستاذ عرفان كتابه بالباب الرابع الذي احتوى على دور بدو النقب في النضال الوطني والجهاد الذي قام به العديد من سكان النقب أسوة بباقي سكان فلسطين ثم جاءت مجموعة قيمة جداً من الملاحق التي ذيل بها كتابه القيم ويستطيع المتصفح للكتاب أن يلمس بسهولة ويسر مدي الجهد المميز الذي قام به الباحث ليخرج هذا الكتاب بهذه الطريق الفذة التي أضافت بقعة ضوء تتسع وتتعاظم تدريجيا لتبرز حضارة إنسانية لها وزنها في بقعة عزيزة من وطننا الغالي وفي النهاية رغم بعض الهفوات البسيطة التي ظهرت في الكتاب أستطيع بكل ثقة أن أهنئ أخي العزيز أ. عرفان أبو هويشل على هذا الإبداع والإضافة النوعية للوطن أولاً ثم لرصيده البحثي والعلمي والإبداعي والتميز كأحد مبرزي حضارة الوطن بما لها أو عليها. 






السبت، 19 ديسمبر 2015

مخاض الخروج من الوادي

(للكاتب/ عرفان حمد أبوهويشل)

آخر صخرة .. تشبث بها وصعد إلي القمة .. كان الصعود قد استنفذ كل قواه .. جلس علي القمة يعب الهواء عباً .. كان هواء مختلفاً .. لم يكن هواءً بل كان عبقاً لروائح كل الأزهار .. كلما استنشق كمية أكبر كلما ازداد خدراً .. كان كالجنين عندما يخترق حاجز المخاض .. لكنه لم يستهل صارخاً .. بل بسمة غطت وجهه وروحه .. كم قاسي حتى وصل إلي هذا المكان, وكانت الجائزة الكبرى عبق الأزهار يملأ صدره والخدر يملأ رأسه.
بعدما عب ما شاء الله له أن يرتوي .. اعتدل في جلسته ونظر إلي الأسفل .. رأى الوادي فانقبض صدره وزال الخدر .. دقق النظر .. كان الناس يسيرون في الوادي كالأقزام .. تذكر كُهان الوادي وكم طاف حول أصنامهم .. كم هتف بحياتهم .. كم مات من أجلهم .. كاهن يخلفه كاهن وهو مع الآخرين يطوف حولهم .. حفظ تفاصيل الوادي شبراً شبراً, فلم يكن يعرف من الدنيا سواه .. حفظ مقولات الكاهن عن ظهر قلب, فهو لم يسمع غيرها, كم أكل هو والآخرون من فتات مائدة الكاهن .. كان الكاهن يطوف وهم يطوفون حوله, سئم الطواف ولكن الكاهن لم يسئم, وظلت الرحى تدور يسمع هديرها من يسمع ويموت تحتها من ترميه المقادير .. كم مرة طحنته الرحى فتشظى أشلاءً .. ولكنه كان يلم أشلاءه وينهض .. أخيرا قرر الخروج من الوادي, وكان قرارٌ صعبٌ وغير مسبوق.
نظر إلى الأسفل مرة ثانية .. لعجبه كانت هناك وديان أخرى كثيرة في الأسفل, كان لا يعرف عنها شيئا قبل ذلك, شكلها العام لا يختلف عن واديه .. وكان الناس فيها يطوفون كالأقزام .. سأل نفسه:
ـ هل في الوديان الأخرى كهنة آخرون؟
دقق النظر, كان الأقزام يطوفون في كل وادي حول رجل طويل .. تذكر كاهن واديه .. تأكد بأنه لكل وادٍ كاهن .. تذكر بمرارة تعاليم الكاهن؛ لا تلتفت .. لا تسأل .. لا تناقش.. لا تعترض .. وإياك إياك والخروج من الوادي فتلك جريمة كبرى قد يكون جزاؤها الموت شنقا أو علي الخازوق.
حفظ تعاليم الكاهن كلمة كلمة وحرفاً حرفاً .. تشربها .. كان يفكر من خلال الكاهن ويتكلم بلسان الكاهن, لقد أحب الكاهن حباً جماً ملك عليه شغاف قلبه, ولكنه بالتدريج بدأ يكتشف بأن الكاهن كان يخدعهم؛ فقد كان لا يطبق التعاليم التي يلقيها إلي مريديه .. كان يقول شيئا ويتصرف بنحو مخالف .. ولكن المريدين في طوافهم المحموم حوله لم يكونوا ينتبهون لذلك التناقض .. أما هو فقد فتح الله عليه وبدأ ينظر إلي الكاهن نظرة مختلفة, بدأ يقارن بين ما يقوله لمريديه وبين ما يفعله في حياته الخاصة .. وجد فارقاً كبيراً وتناقضاً فاضحاً .. اتضحت الفكرة تماماً .. لقد كان الكاهن يخدع مريديه.

قرر ترك الوادي والصعود نحو القمة. كانت رحلة الصعود شاقة .. فلم يكن من السهل الانطلاق من جاذبية الوادي .. كان المخاض عسيراً ثم كانت الولادة .. واستنشق الهواء في القمة .. واستهل مبتسماً .. نظر للأسفل كانت كل الوديان تحته والناس فيها أقزاما يطوفون حول كهنتهم .. شعر بالتفوق وكان عبق أزهار الدنيا يملأ صدره.

الخميس، 10 ديسمبر 2015